وجوب الإصلاح والعدل حسب الإمكان

ج 5: إن كانت الأمة في حال من الضعف لا تستطيع معه إقامة (الخلافة الراشدة) على مستوى الأمة، ولا (الحكومة الراشدة) على مستوى الأقطار، فالواجب حينئذ الإصلاح بحسب الإمكان، بإقامة ما يمكن إقامته من العدل الجزئي، وتخفيف ما يمكن من الظلم والفساد، كما دعا إليه الشيخ المحدث الفقيه أحمد شاكر رحمه الله، في رسالته (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر التشريع في مصر) حيث يقول عن العمل السياسي والإصلاح الجزئي: (سيكون السبيل إلى ما نبغي من نصر الشريعة السبيل الدستوري السلمي، أن نبث في الأمة دعوتنا، ونجاهد فيها ونجاهر بها، ثم نصاولكم عليها في الانتخاب، ونحتكم فيها إلى الأمة، فإذا وثقت الأمة بنا، ورضيت عن دعوتنا، واختارت أن تحكم بشريعتها، طاعة لربها، وأرسلت منا نوابها للبرلمان، فسيكون سبيلنا وإياكم أن ترضوا بما يقضي به الدستور، فتلقوا إلينا مقاليد الحكم كما تفعل كل الأحزاب، ثم نفي لقومنا بما وعدناهم به من جعل القوانين كلها مستمدة من الكتاب والسنة .. ). (3)
وكما قال العلامة عبد الرحمن السعدي في تفسيره بشأن النظام الجمهوري وأنه أفضل من النظام الدكتاتوري إذا لم يمكن للأمة إقامة النظام الإسلامي (ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان

فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم
نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة والله أعلم). (1).
فالواجب الإصلاح بحسب الإمكان كما قال النبي شعيب عليه السلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88].
وكل من اجتهد وأراد الإصلاح سواء الإصلاح العام الكلي (الخلافة الراشدة)، أو الخاص الكلي (الحكومة الراشدة)، أو الخاص الجزئي (الإصلاح السياسي المحدود)، فهو مأجور على اجتهاده، وقد فعل الواجب بحقه والمقدور له، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
تطبيق الشريعة لا ينعي تطبيق الحدود فقط
وتطبيق الشريعة ليس كما يتوهمه كثيرون بأنه هو تنفيذ الحدود في الجرائم، فهذا جزء يسير من الشريعة، بل هو آخر أحكامها، إذ قبل ذلك جاءت أحكام كثيرة لحفظ الحقوق وإقامة العدل ورفع الظلم، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو المقصود الرئيسي للأحكام، فكل من اجتهد من الحكومات الراشدة التي تختارها الأمة في تحقيق الإصلاح في شئون المجتمع والدولة لتحقيق الشوكة والقوة للأمة، وتعزيز قدرتها، سياسيا واقتصاديا وعلميا وعسكريا، فقد قام بتطبيق الشريعة ..
والإسلام لا يظهر في الأرض إلا بعد تحقق التمكين له: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].
وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]
ولا يتحقق التمكين إلا بالقوة والشوكة، ولهذا عرف الفقهاء دار الإسلام بأنها التي تكون فيها الشوكة للمسلمين، إذ لا يتصور أن تكون لهم الشوكة والكلمة ولا يحكمون بالإسلام وشرائعه، فوجب تحصيل الشوكة وتحقيق القوة للأمة والدولة بالعلوم والصناعة والتطوير وتعزيز القوة الاقتصادية والعسكرية كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60].
إذ في ظل حال الضعف وعدم تحقق الشوكة للأمة وشعوبها في الداخل بتحررها من الاستبداد الذي فرضه الأجنبي، وعدم تحقق الشوكة لدولهم بتحررها من النفوذ الخارجي، لا يمكن أن تقيم الأمة أحكام الإسلام في الأرض، فوجب العمل بكل وسيلة لتحقيق نهضة الأمة ودولها في كل المجالات السياسية والاقتصادية والصناعية والعلمية والعسكرية، إذ قوة الأمة قوة للإسلام، وضعفها ضعف للإسلام، وليس العكس، فكانت العناية بهذه الأصول والكليات من تطبيق الشريعة، وتحقيق غاياتها ومقاصدها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد


Enregistrer un commentaire

Plus récente Plus ancienne