موقف العلماء اليوم من الخلافة الإسلامية



صار المسلمون المخلصون اليوم فريقين فريق يرى بأن الإسلام جاء بمبادئ عامة للحكم كالحرية والعدل، وليس له نظام محدد للحكم، وترك للعقل الاجتهاد في هذا الباب، ففرغوا النظام السياسي الإسلامي من عقيدته السياسية، فلا فرق بين ما يدعون إليه وبين أي نظام سياسي غربي أو شرقي إذ كلها تنشد المبادئ ذاتها، وإنما تتمايز فيما بينها بالنظم التي تعبر عن نظرتها لتلك المبادئ العامة!
وتجاهل هذا الفريق واقعا سياسيا ظل يحكم العالم الإسلامي منذ خلافة أبي بكر الصديق إلى خلافة السلطان عبد الحميد، وكأن هذه الأمة جاءت من فراغ، أو انتظمت حضارتها مدة ألف سنة ويزيد بلا نظام سياسي، ولا أصول للحكم!
وفريق آخر يريدونها خلافة راشدة دون أن يحيطوا علما بأصولها وأحكامها، وكيفية بلورتها إلى مشروع سياسي يمكن تطبيقه في كل قطر، بعد أن تعذر في هذا العصر جمع الأمة عليه، فعاشوا حالة انتظار للمهدي ليعيدها خلافة راشدة، وأصبحوا يعيشون عالما افتراضيا خياليا بعيدا عن الواقع وسنن التدافع فيه!
الفرق بين الحكومة الراشدة والخلافة الراشدة

لقد عرف الفقهاء الخلافة بأنها رئاسة عامة على الأمة، وإذا كانت هذه الرئاسة العامة غير ممكنة اليوم، وإذا تأكد عدم إمكان إقامة الخلافة الجامعة، وكذا لا يمكن الافتئات على الأمة بشأنها حتى تجتمع أو يجتمع أكثرها على ذلك، فإن الممكن اليوم هو (الحكومة الراشدة)، في كل قطر تتحرر فيه إرادة الأمة

من الاستبداد والاستعمار، والفرق بينهما أن الحكومة الراشدة، ليست رئاسة عامة على الأمة، بل رئاسة عامة على قطر من الأقطار، إلا أنها تقوم بكل مسئوليات وواجباتها الشرعية السياسية في ذلك القطر على وفق ما جاء في الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي، ومن أهم تلك الأصول التي يتحقق بها الرشد لهذه الحكومات ما يلي:
1 - أن تمثل الحكومة في ذلك القطر خيار الأمة وإرادتها، وأن تقيم نظامها السياسي على أساس حق الأمة في اختيار السلطة التي تحكمها وتسوس شئونها بالشورى والرضا والاختيار، بلا إكراه ولا إجبار، وأن تكون خيارا حقيقيا للأمة، لا خيارا صوريا.
2 - أن تكون المرجعية الدستورية والتشريعية للدولة هي الشريعة كتابا وسنة، وتطبيقها وفق أصول الخطاب الراشدي، فلا تعطل النصوص، ولا تهدر المقاصد، فالغاية تحقيق العدل والقسط الذي جاء به القرآن على أكمل وجه، ورعاية حقوق الإنسان، وصيانة حريته وكرامته.
3 - المحافظة في ذلك البلد على سيادة الأمة والدولة واستقلالها عن أي نفوذ أجنبي، وتعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية لتتحمل مسئولياتها على مستوى الأمة حسب إمكاناتها.
4 - تعزيز التكامل والوحدة والاتحاد مع الدول الإسلامية المجاورة، للوصول إلى توحيد الأمة، وتحقيق الهدف النهائي (أمة واحدة وخلافة راشدة).
5 - تحقيق التنمية والنهضة الشاملة في جميع المجالات على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، وأن تثبت فاعلية وكفاءة سياسية متميزة، وأداء سياسيا ناجحا.
فكل حكومة تحققت فيها هذه الشروط هي (حكومة راشدة)، والفرق بينها وبين (الخلافة الراشدة)، هو أن الحكومة الراشدة خاصة في القطر الذي تقوم فيه، بينما الخلافة الراشدة عامة تشترك الأمة كلها أو أكثر دولها في إقامتها، بعد أن تتحرر أقطارها، وتصل إلى السلطة فيها حكومات راشدة، أو إلى الدول الرئيسة المؤثرة فيها، بحيث تكون قادرة على توحيد الأمة وحمايتها، كما توحدت أوربا اليوم في الاتحاد الأوربي باختيار شعوبها وبإرادة حكوماتها المنتخبة، حتى استطاعت بعد حربين عالميتين بينها لم يمض عليها نصف قرن أن توحد عملتها وبرلمانها ودستورها!
وحين تقوم الحكومات الراشدة التي تمثل خيار الأمة في كل الأقطار، أو في أكثرها، أو في الدول الرئيسة المركزية فيها، فستكون قادرة على الإعلان عن اتحادها ووحدتها، واختيار مجلس رئاسة لدولها، يختار رئيسه بشكل دائم أو دوري، بحسب ما يحقق حكم الشارع ومصلحة الأمة، ويكون هذا المجلس الرئاسي هو مؤسسة (الخلافة الراشدة)، التي تشترك الأمة من خلال حكوماتها المنتخبة في اختيارها، لتستأنف الأمة حياتها السياسية من جديد في ظل (الخلافة الراشدة)، كما بشر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -،فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَكَانَ بَشِيرٌ رَجُلًا يَكُفُّ حَدِيثَهُ، فَجَاءَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، فَقَالَ: يَا بَشِيرُ بْنَ سَعْدٍ أَتَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فِي الْأُمَرَاءِ؟ فَقَالَ

حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ خُطْبَتَهُ، فَجَلَسَ أَبُو ثَعْلَبَةَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ " (1)
حيث سيأتي بعد عصر الطواغيت - الذي تغيب فيه الخلافة وهو هذا العصر - عصر جديد تعود فيه الأمة من جديد لوحدتها وقوتها وشريعتها وخلافتها في الأرض!
البدء بقطر من الأقطار بالحكومة الراشدة هو المناسب للظروف الراهنة
إن هذه التجزئة للمشروع مع كونها متوائمة مع الواقعية السياسية التي تفرضها الظروف الموضوعية، فإنها متوافقة مع الأحكام الشرعية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (2)
وكما قال النبي شعيب عليه السلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88].
فعدم قدرة الأمة اليوم على إقامة الخلافة الراشدة، لا يسقط وجوب إقامة الحكومة الراشدة في كل بلد تستطيع الأمة فيه إقامتها، كما إن عدم قدرتها على إقامة حكومة راشدة هنا أو هناك، لا يسقط وجوب إصلاح الأوضاع السياسية الحالية، وتقويم أود الحكومات القائمة الآن، إذ الواجب شرعا الإصلاح حسب الإمكان في كل حال، ولا تتعطل الواجبات الشرعية، والفروض الكفائية بدعوى عدم وجود الخلافة الراشدة، أو عدم وجود حكومة راشدة!
والمقصود بأن الواجب على الأفراد والجماعات في كل قطر العمل من أجل الوصول في دولهم إلى إقامة (حكومة راشدة) و (نظام حكم راشد)، ثم الواجب على تلك الحكومات الراشدة أن تعمل على تعزيز الوحدة بين دولها وشعوبها من أجل إقامة (خلافة راشدة).


Enregistrer un commentaire

Plus récente Plus ancienne